الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

474

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة . والنهر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف ، ونظيره في ذلك شعر وبحر وحجر فالسكون ثابت لجميعها . وقوله : فَلَيْسَ مِنِّي أي فليس متصلا بي ولا علقة بيني وبينه ، وأصل « من » في مثل هذا التركيب للتبعيض ، وهو تبعيض مجازي في الاتصال ، وقال تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [ آل عمران : 28 ] وقال النابغة : إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست مني وسمى بعض النحاة « من » هذه بالاتصالية . ومعنى قول طالوت « ليس مني » يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي ، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش ، فلا يكمل الجهاد معه ، والظاهر الأول لقوله وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه ، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي غنية عن قوله : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ؛ لأنه إذا كان الشارب مبعدا من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش . والاستثناء في قوله : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ من قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لأنه من الشاربين ، وإنما أخره عن هذه الجملة ، وأتى به بعد جملة وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها ؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد ، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية ، فإن مفهوم ( من لم يطعمه فإنه منّي ) أن من طعمه ليس منه ، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئا ، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب ، وليس هو قسما واسطة . والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه ، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول ، وإنما ذكرت قريبا منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين : « وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم ؛ لأن شاول حلف القوم قائلا ملعون من يأكل خبزا إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي » وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر ، في حرب جدعون قاضي إسرائيل للمديانيين ، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول .